الأمة العربية والإسلامية ومحاولات تمزيقها
الأمة العربية والإسلامية ومحاولات تمزيقها
د. سلمان محمد سلمان – أستاذ الفيزياء النووية والطاقة العالية – قلقيلية – فلسطين
15-9-2015
مقدمة:
الدافع المباشر لهذه الدراسة هو تقييم لما يرد في مجلة عرب تايمز ( صحيفة مطبوعة والكترونية تصدر في الولايات المتحدة ولها جمهور قراء مهم من مختلف المشارب) من مقالات موجهة ومتصلة ومستمرة تطعن مفهوم الأمة العربية والإسلامية والاعتزاز بها وتدعو لتكريس التقسيم القطري والتبعية المطلقة فكريا وحضاريا للغرب ضمن منظومة محكومة بعقدة النقص وبشكل لا يمكن أن يؤسس إلى نهوض محترم لأهل المنطقة حتى لو توفرت النية الحسنة من وراء الدعوات الناقدة.
والحقيقة أن هذه الطرح ليس جديدا وقد بدأ منذ بدأت الفتوحات الإسلامية موازيا لحركة نالت نجاحا أكبر تمثل في اندماج العناصر العرقية من أبناء المنطقة ضمن بوتقة حضارية متشابهة أدت لنشوء واقع الأمة المعاصر بإيجابياته وسلبياته.
وقد ذكر محرر عرب تايمز أكثر من مرة أنه مذهول من الفيض أو “الطفح الموجه” والذي يتجاهل قضايا حقيقية لقضايا جانبية. وحاول المحرر تهذيب ما يصل وأن ما ينشر لا يزيد عن غيض. لكنه كما يبدو لا يستطيع استخدام مقص الرقيب بشكل يمنع مثل هذه التوجهات ربما لفلسفة النشر العامة التي يتبناها أو ربما لأسباب تتعلق بحرية النشر وحدود ضبطها حسب قوانين الغرب بشكل عام. لا أعرف حقيقة ما هي المعايير التي تجعل هذه النوعية من المقالات قابلة للنشر لكن ربما نعذر المحرر إن سمح “بتفليت” نسبة من هذا “الطفح” الكبير كما يصفه.
أود في هذه الدراسة التركيز على الجانب الموضوعي من تاريخ الأمة وكيفية تكونها دون التطرق للمقالات الموجهة التي تنكر كل ما هو ايجابي. وفي النهاية آمل تحديد طبيعة الخلل الرئيس في نوعية المقالات التي تمر وتنشر والتي تهاجم دون موضوعية وبالردح أحيانا وبحالات أقل تهاجم بأسلوب حضاري على الأقل رغم سوء النية.
أهم ما يتعلق بتاريخ الأمة العربية أنها في الحقيقة الوريث الشرعي لمجموعة الشعوب التي عاشت في المنطقة من بلاد المغرب حتى إيران. وبنسبة تأثير كبيرة خارج هذه الحدود لتغطي جزءا من الحضارات الجارة المشتركة مع العرب في الإسلام مع بقاء هوياتهم مختلفة عن العرب بشكل كبير نسبيا رغم التأثير الكبير لغة وثقافة وعادات. وتشكل تركيا وإيران وبعض باكستان ودول الحزام الصحراوي الإفريقي حالات متفاوتة لهذا العلاقات.
والسؤال الأول كيف استطاعت العروبة البقاء والاستمرار من المحيط الأطلسي حتى الخليج العربي ولماذا لم تتمدد خارج هذه الحدود بل تراجعت مثلا في الأندلس وتركيا وإيران.
هناك أسباب تاريخية وسياسية وحربية.
لكن قبل ذلك لماذا استطاعت الفتوحات الإسلامية الانتشار بسرعة كبيرة ضمن الحدود العربية وبسرعة أقل ضمن حدودها الإسلامية التاريخية من باكستان حتى الأندلس وتوقفت بشكل مستمر وحاد فيما وراء ذلك حيث انتشر الإسلام لما وراء هذه الحدود فقط بالدعوة والتجارة بدلا من الفتح العسكري.
في الحقيقة أن أهم ما يجمع الإقليم العربي الحالي أنه مختلط عرقيا منذ قديم الزمان بشعوب متشابهة الأصول. فبلاد الشام والعراق لها امتداد تاريخي طويل مع جزيرة العرب وتعتبر شعوب هذه المناطق نفسها بشكل عام من أصول مشتركة وهذا ما تعتقده القبائل رغم مرور مئات السنين.
أما بالنسبة لمصر فرغم اختلافها في العصر الفرعوني الا أنها ما بعد سقوط الفراعنة استمرت فترة طويلة تحت النفوذ الإغريقي والروماني والفارسي مما وحد أكثر بين الشام ومصر من خلال استعمار مشترك ومضطهد.
أما بلاد المغرب العربي فنعرف نسبة استيطان الفينيقيين القديم ودولة قرطاجة في المغرب العربي والأندلس. وهذا صنع شعبا مهجنا من قديم الأزمان اعتبر الرومان أيضا مستعمرين. وربما هذه هي أهم الأسباب لتقبل المنطقة للفتوح الإسلامية وهذا ربما يفسر لماذا نجح فتح الأندلس فقط في القارة الأوروبية في عصر الفتوحات الأولى.
وبمثل هذه النظرة يمكننا فهم الفتوحات الإسلامية كحركات تحرير لشعوب هذه المناطق أكثر منها حروب أو غزوات رغم حصول تجاوزات وحماقات مؤكدة خلال المعارك واستغلال من قبل القادة والحكام.
ولأن الإسلام يمثل رسالة إنسانية منفتحة من ناحية مبدأية على كل الشعوب ولأن متطلبات الانضمام له تكتفي بأن تكون مسلما لتصبح من صلب الأمة. فقد سهل ذلك على الثقافة الإسلامية الأصيلة قدرة الانتشار المستمر رغم مساوئ السلوك العسكري أو العنصرية والاستبداد من بعض الممالك التي قادت الدولة الإسلامية. وهذا ينطبق بدرجات متفاوتة على الأمويين والعباسيين والفاطميين والموحدين والمرابطين والمماليك والمغول والترك وغير ذلك من ممالك لم تلتزم نظم حكمها بأصول الإسلام كمرجعية للتعامل. لكن زخم الدعوة والإيمان الفعلي رغم ذلك كان عامل توحيدي دائم.
لا شك أن عصر ما بعد الراشدين وبشكل أدق ما بعد الخليفة عمر بن الخطاب ( ض) وعصر بني أمية قد سطر خللا كبيرا في صورة الحكم الإسلامي لأن الأمويين كانوا عنصريين إلى درجة كبيرة ولكنهم أيضا كانوا طبقيين ميزوا بين العرب أنفسهم وهذا ما لا يتم الالتفات له عادة عند تقييم الخلاف بين خلافة على ابن أبي طالب( ض) ومعاوية. ورغم هذه العيوب لا يمكن الا أن نعترف أن تكون الدولة الفعلي اعتمد كثيرا على الزخم المتصل حتى منتصف العصر الأموي.
علي بن أبي طالب ( ض) كان يريد عدالة الإسلام كاملة دون تمييز لعرق أو لون أو طبقة. كان مع الفقراء أكثر من الأغنياء وكان ينتقد الخليفة السابق له عثمان ابن عفان (ض) لأنه سمح لأقاربه من بني أمية بالتغول على الأمة والسيطرة على مواردها بشكل مخالف لأصول الإسلام الذي يدعو لوحدة الأمم وحريتها وعلى عدالة توزيع الثروة.
والحقيقة أن نموذج الدعوة الإسلامية السياسي الاقتصادي قد حرف مبكرا من ناحية التطبيق بحيث لا نرى كثيرا من أصوله الآن لدى جميع الفرق والمذاهب. وبحيث استطاعت الطبقات المتحكمة تحوير المفاهيم للسماح بالغنى الفاحش دون قيد وأسست للحكم الوراثي بكل تبجيل.
فالسنة بشكل عام يسمحون للغنى الفاحش دون قيود تذكر ويقرون بوراثية الحكم والأسرة الحاكمة. وهذا واضح من تاريخ الدولة الإسلامية.
بالنسبة للشيعة أيضا لم تسلم هاتان المقولتان من إساءة التفسير أو التطبيق. فليس هناك حدود أيضا للاحتكار والسيطرة الاقتصادية. وهناك تبن مقدس لفكرة ولاية الفقيه الذي يجب أن يكون من سلالة على بن أبي طالب (ض) مما يجعل الحكم وراثيا وإن بشكل آخر.
الحقيقة أن هذين الخللين هما أساس معظم النقص في تطبيقات التجربة الإسلامية منذ الراشدين وحتى الآن. ولن تصح التجربة إذا لم تعالج هذه القضايا بشكل موضوعي يتناسب مع أسس الدعوة الإسلامية.
فيما عدا هذين المنطلقين استطاعت الدعوة الإسلامية تحقيق مكاسب كثيرة تعتبر إنجازات رائعة إذا أخذنا بالاعتبار حصولها رغم الخلل الكبير في نظام الحكم والاقتصاد. ولعل سبب صمود الدعوة بل انتشارها هو نجاحها في ترسيخ مفاهيم الأخوة الإنسانية والأخلاق ومحاربة العنصرية وتشجيع الاختلاط العرقي التي لم تتعرض للتخريب بمقدار مفهومي الحكم والاقتصاد.
القسم الأول: نتائج تجربة الدعوة الإسلامية عبر العصور:
يمكن القول أن الدعوة الإسلامية أثمرت على مدى السنين وحتى سقوط الخلافة العثمانية وبداية الاستعمار الحديث للمنطقة مجموعة نتائج يمكن اعتبارها خليطا من النجاح والفشل وتتلخص بالتالي:
أولا: المكون الجيني:
ساعدت الدعوة على تكون أمة مختلطة عرقيا وليس فيها عنصر مسيطر أو مهيمن حضاريا بحكم تناوب أعراق كثيرة على الحكم مما ألغى إمكانية اعتقاد أي عرق بتفوقه الجيني. ونتج عن ذلك حضارة تعتبر تساوي الأصول العرقية حالة طبيعية لا تحتاج للتوطيد.
ولعل الاختلاط الجيني لأبناء المنطقة العربية خير دليل على ذلك. ولا أعتقد أن النسبة الكبيرة من أبناء هذه المنطقة يعتقدون فعلا بنقائهم العرقي ومن السهل معرفة الاختلاط من خلال تعدد مظاهر أبناء الأسرة الواحدة من الأسمر للمتوسط للأشقر مما يعكس خلطا جينيا قديما. وهذا يتجلى في العراق بين الفارسي والعربي وفي الجزيرة وأطرافها بشكل أكبر بين الأفريقي والآسيوي والعربي وفي بلاد الشام بين الأوروبي والعربي وفي مصر بين المصري القديم والعربي والإفريقي وفي المغرب العربي بين الأوروبي والعربي والأمازيغي ( مع أن التمييز بين العرب والأمازيغ غير سهل لان الأمازيغ والعرب اختلطوا منذ قيام قرطاجة).
وعليه من غير المعقول اقتصار تعريف الأمة والعروبة بالخليج أو الجزيرة. وأي ادعاء بإمكانية إعادة أي شعب لأصل عرقي يصبح مهزلة. وأعتقد أن محاولات النقد الحالية لا تطمح لإعادة التشكيل بمقدار ما ترغب بالتمزيق.
ثانيا: المكون الثقافي والاجتماعي:
ساعدت الدعوة على تكوين الأمة المتشابهة كثيرا في خبرتها الإنسانية. فمن السهل ملاحظة التشابه الكبير في عادات المغربيين مع أهل المشرق رغم بعد المسافة والسبب الرئيس توحد الممارسات والعادات المؤسسة دينيا. ومع أن أوروبا توحدت إلى درجة ما بالمسيحية الا أن درجة توحدها كانت أقل.
الفرق الرئيس أن أوروبا لم تتوحد مبكرا ليس بسبب الاختلاف الجيني بل بسبب ظهور الدولة القومية التي عبرت عن مصالح اقتصادية للأسر الحاكمة. وتكونت الدول القومية ليس اقتناعا بالتمايز بل فرضت تعبيرا عن تنافس استعماري أكثر منها اختلافا عرقيا. والدليل سهولة التوحد الأوروبي الحديث.
رغم ذلك فدرجة التوحد الأوروبي بلا شك أضعف من حالة العرب. فبينما لم يستطع الاختلاط العرقي والديني توحيد اللغات في أوروبا استطاعت العربية أن تصبح اللغة السائدة في كل المنطقة التي تعتبر عربية الآن. والحقيقة أن العروبة هي لسان أكثر منها قومية ولا تعني أصولا عرقية. وهذا يعترف به معظم الداعين للقومية العربية.
وقد تطرق ابن خلدون لهذا واعتبر أن العروبة لا تزيد عن تكلم العربية والرغبة بالانتماء لها ولا تحتوي بالضرورة حمولة وراثية. وهي صفة إنسانية وثقافية وحضارية أكثر منها عرقية رغم بقاء نوع من الربط بين العروبة والفهم القديم المتعلق بالجزيرة والأساس البدوي للعرب. وهذا طبيعي فمعظم الشعوب بدأت مرحلة بداوة ثم تحضرت. والبداوة مرحلة تاريخية من تطور البشر بالأخص في الصحاري وليست وصفا وراثيا أو عرقيا.
ويكن القول أن أميركا الآن تتكون من شعوب مختلفة توحدها الجغرافيا واللغة الإنجليزية. ولا يعني تكلم الإنجليزية أنها أصبحت كذلك عرقيا. الفرق عن حالة العرب يتلخص في سببين الأول أن الأرض الأميركية ليست انجلترا وكان من السهل تسمية هذا الخليط الحضاري باسم أميركا. والسبب الآخر الأهم أن أميركا تكونت أولا ثم نمت بشكل رئيسي بسبب استقبال المهاجرين بشروطها وقبولهم بثقافتها بينما في حالة العرب فقد كانت الأرض التي نشأت بها ثقافة العروبة فيها عنصر عربي رئيس من جهة ومدعومة بلسان عربي من قبل الدين من جهة أخرى. ولأنه لم يكن هناك اسم سابق للمنطقة غير أجزائها أو سقوطها تحت استعمار الإمبراطوريات فمن الطبيعي شيوع إطلاق العروبة عليها.
ثالثا: المكون السياسي والاقتصادي:
فشلت الدعوة والشعوب في إيجاد آليات حكم تضمن استمرار الدولة وبقاءها بل اعتمدت الدول على الأسر الحاكمة. وهذا ليس غريبا عن العصور الوسطى طبعا فأوروبا كانت كذلك.
فشلت الدعوة في فرز نظام اجتماعي عادل وحصلت انحرافات رئيسة في المفاهيم الأصيلة للدولة الإسلامية وأهما كما أسلفنا تركز في الحكم والاقتصاد. وانعكس ذلك على الحرية الشخصية والتقسيم الطبقي والعبودية والجواري. وهذه النواقص تكونت واستمرت بسبب الحكم وليس بسبب الدعوة بالتأكيد. بل يمكن القول أن بقاء الإسلام بأصوله الأخلاقية رغم كل هذا يمثل معجزة حقيقية.
رابعا: عبور القوميات والدول السابقة:
استطاعت الدعوة إيجاد أرضية مشتركة كبيرة مع الشعوب المحيطة وأهمها إيران وتركيا وأفريقيا وفشلت في إيجاد أرضية مشابهة مع أوروبا. والسبب الرئيس يتمثل في التشابه العرقي الأصلي والثقافي بين سكان هذه المناطق بعكس أوروبا التي لم تقبل أي توسع إسلامي من منظور عرقي وثقافي وديني. بل تشكل المفهوم الديني المسيطر على أوروبا رغم أن أساسه من فلسطين بشكل يعكس الفرق العرقي والحضاري بين الغرب والشرق. وأصبحت المسيحية في النظرة النهائية معبرة عن خلاف حضاري مع الغرب أكثر منها دينا يختلف مع الإسلام.
ولعل اختلاف مفاهيم الارثذوكسية عن الكاثوليكية والبروتستنتية وانتشارها المعرف جغرافيا وثقافيا وحضاريا يمثل تكريسا لهذه المقولة. حيث نرى الارثذوكسية تمثل مسيحي الشرق والكاثوليكية شمال المتوسط والبروتستنتية شمال أوروبا.
بدرجة أقل كثيرا يمكن توصيف الفرق السني والشيعي. حاليا ربما هناك تداخل بين الشيعية والفارسية لكن الشيعية ليست صفة مميزة للفرس. فأول دولة شيعية كانت في القاهرة وأسس للمذهب في العراق.
لكن الشيعية كانت أكثر استقرارا وتماسكا في إيران لتعبيرها عن تمايز الفرس نسبيا عن محيطهم. رغم ذلك ليست كل إيران فارسية كما نعرف بل أكثر من نصفها شعوب أخرى والعنصر العربي له وجود هام خاصة في شرق الخليج العربي.
في الحقيقة تثيرني مسألة الإصرار على فارسية الخليج. فهو في الحقيقة محاط من كل جوانبه بعرب يتكلمون العربية حتى الآن ونفس الأمر ينطبق على البحر الأحمر. فهذه مياه إقليمية وأصبحت دولية بسبب السيطرة الغربية. وتسمية الخليج العربي بالفارسي لا تعبر عن سيطرة عرقية آو ملكية بل هي بسبب أن الدولة الفارسية القديمة سيطرت لفترة كبيرة على المنطقة خاصة أيام الرومان وكانت هي والرومان الدول العظمى مما جعل التسمية كذلك.
واستمرت التسمية بعد ذلك خلال التاريخ العربي لأن الحضارة الإسلامية لم تهتم كثيرا بالعرقية وعليه من المفروض أن تكون التسمية بالعربي خاصة إذا أخذنا بالمفهوم التاريخي للعروبة. ولتسهيل الأمر ربما من الأفضل تسميته بالإسلامي.
خامسا: الوحدة السياسية للأمة الإسلامية
فشلت الدعوة الإسلامية في صنع الوحدة السياسية للدولة رغم الوحدة الإنسانية والاختلاط العرقي والسبب الرئيس تمثل في دور الحكام. ورغم انتشار الشعوبية في معظم العصور الإسلامية الا أنها كانت حركات سياسية أكثر منها تعبيرا عن مصالح عرقية فعلا.
الشعوبية كانت حركات سياسية لخدمة الحكام ولم تهتم أبدا بالمواطنين وأهم دليل على ذلك أن العباسيين اعتمدوا العناصر الفارسية (خراسان) والتركية (السلاجقة) لترسيخ حكمهم لهزيمة بني أمية وليس تعبيرا عن مصالح هذه الأعراق. وقد قاتل العباسيون مستخدمين جيوش الفرس وخراسان لقتل العرب من بني عمومتهم من قريش. وتضاءلت قيمة العربي زمن العباسيين بشكل مزر رغم أنهم يعتبرون أنفسهم أساس العرب (عرقيا في هذا الزمن المبكر قبل الاختلاط الكبير). نفس الأمر ربما يتعلق بالدولة الفاطمية أو المماليك فلم يكن هناك حدود قومية لأي من هذه الدول تستطيع بها الادعاء بالتعبير عن مصالحها.
بل حتى الدولة الرئيسة التي تطابقت فيها العرقية مع الدعوة العنصرية (الأموية لأنهم كانوا يميزون العرب بشكل عام ضد غيرهم ورسخوا مفهوم الموالي) الا أن ذلك لم يكن شاملا. لقد ميزوا عرب الشام ضد عرب الجزيرة رغم أنهم من الجزيرة. لكل هذا من الصعب فعلا إيجاد علاقة سببية بين مصالح الحكام والشعوب وأي ادعاء بغير ذلك يعتبر تهريجا.
بالمقابل يمكن القول أن معظم الثورات التي اتخذت طابعا شعوبيا كانت حركات سياسية أيضا لم تعبر عن مصالح الشعوب التي يتكلم الشعوبيون باسمهم. وهذا ينطبق على السلاجقة والبرامكة والقرامطة والخراسانية وغير ذلك.
وبسبب تأخر الفتح الإسلامي لتركيا ووسط آسيا وبعض أوروبا وبحكم تكون قومية واضحة من الترك قبل ذلك فقد ترسخت واستمرت ظاهرة التركية أيام العثمانيين رغم أن الدولة تتكون من شعوب كثيرة أهمها العرب بعد تكونهم الحضاري لكل المنطقة العربية. ولعل أهم سبب لقبول الحكم العثماني من العرب كان عدم وجود حساسية عرقية من قبل العرب ضد أي حاكم مسلم مما يرسخ الفهم الحضاري الديني للعروبة.
بقيت تركيا خارج الوحدة العربية التاريخية لأسباب تركية أكثر منها إسلامية أو عربية رغم الاعتراف بأن اللغة العربية تمثل أكثر من 50% من الكلمات التركية حتى الآن ولم يتم تحويل الحرف إلى اللاتينية الا بعد سقوط الخلافة العثمانية وصعود الأتاتوركية المناهضة للإسلام والعروبة معا. لكن هذا يعني أيضا أن التقارب التركي العربي ليس بصعوبة التركي الأوروبي بالتأكيد حتى لو لم نحسب العامل الديني الفعال.
بقيت الفارسية رغم العهد الطويل من الحكم الإسلامي وأهم الأسباب تمسك الفرس بقوميتهم واعتزازهم الإمبراطوري وهذا معروف. وقد ساعدت عنصرية الأمويين على ترسيخ هذا التمايز مبكرا. وبحكم نفوذهم النسبي على الدولة العباسية فقد كرس الأمر أكثر دون ضرورة ربط ذلك بالمذهب الشيعي. وعندما سيطرت الدولة العثمانية بعد القرن السادس عشر على مراكز الحضارة العربية فقد نما المذهب الشيعي في إيران ربما كخط دفاع إضافي ضد الهيمنة العثمانية.
ورغم قوة القومية الفارسية والمذهب الشيعي الا أن الفروق العرقية والثقافية بين الإيرانيين والعرب ليست كما يعتقد البعض. فاللغة الفارسية تحتوي أيضا حوالي 50% من المصطلحات العربية بل إن حوالي 20% من مكونات إيران يتكلمون العربية ويعتبرون أنفسهم عربا.
لم تنتشر العربية بما يكفي في المناطق الأبعد (باكستان والهند وجنوب الصحراء الأفريقية) لأن الاختلاط العربي والحكم الإسلامي تأخر أو لأن الدول التي قامت هناك حكمتها أمم أخرى. رغم ذلك نرى باكستان تكتب بالحروف العربية.
سادسا: انفصام المفهوم العروبي التاريخي والقومية العربية الحديثة:
لم تنطلق الحركات القومية العربية الحديثة من منطلقاتنا أعلاه مع أن كثيرا منها يتبنى طروحات مشابهة. لكن أساس الحركة القومية قام في بلاد الشام والجزيرة كنوع من الثورة ضد تركيا العثمانية وبدعم من الغرب مما صنع شبهة انفصال بين الإسلامية والعروبة. ونرى هذا واضحا في عداوة الحركات الإسلامية بشكل عام في المنطقة العربية للعروبة دون مبرر.
فالإسلامية والإيرانية لا يتناقضان والباكستانية والإسلام لا صراع بينهما. وبدرجة أقل نرى علاقة تفاهم حيوية بين الإسلام والتركية منذ عهد جديد من التكامل رغم الفصل القاسي الذي مورس بين الدين والدولة منذ سقوط الخلافة العثمانية.
في حالة العروبة والإسلام نرى اشتباكا مثيرا مع أن من المفروض أن يكون الخلاف بأقل أوضاعه. بل لا نرى شكوى من العلاقة بين القطرية العربية والإسلام. فقط نرى الإصرار على التناقض بين العروبة والإسلام. والسبب الرئيس ليس ذاتيا بل ناتج عن تحريض غربي مبرمج لصنع الخلاف من جهة وبسبب ادوار منغلقة أو غبية مارستها الحركات القومية أو الدينية الحديثة والتي اعتبرت العروبة نقيضا للإسلام من خلال الثورة على العثمانية.
نفس الأمر تمت محاولته في تركيا لفصل القومية عن الإسلام قبل سقوط العثمانية. كان ذلك مهما في عقر الخلافة الإسلامية وحركة التتريك وعلمانية أتاتورك والدولة التركية الحديثة تعبر عن هذا التمزيق الموجه من قبل الغرب. ولعل ظهور حركات دينية جديدة في تركيا تتقرب من العرب والمسلمين يمثل تطورا استراتيجيا في تركيا يتجاوز القومية دون محاربتها وهذا تقدم كبير ومهم.
فشل العرب والمسلمين في توحيد الطرح الديني والقومي بالمفهوم الثقافي الحضاري له أسبابه التاريخية لكن هناك أسباب استعمارية فاعله في العصر الحديث. ومن ينكر ذلك بشكل غير موضوعي إما جاهل أو موجه من دوائر استعمارية. ولا تهم كثيرا المواقع فاختراق النظام العربي السياسي والثقافي معروف وموثق.
القسم الثاني: معطيات نمو ثقافة إسلامية عروبية
رغم كل هذه النتائج المختلطة وبعد الأخذ بها يمكننا طرح بعض النتائج الموضوعية لمستقبل الأمة العربية والإسلامية.
- الشعوب الإسلامية هي الأكثر اختلاطا عرقيا وثقافيا بين أمم الأرض والأسهل توحيدا إذا تم التعامل معها بوسائل تشبه بل أقل من وسائل توحيد الكيانات الدولية الكبرى.
- الاتصال الجغرافي لمعظم أراضي الشعوب الإسلامية يضع قيمة عليا لتكوين كيان موحد.
- تستطيع الأمة الإسلامية ابتكار وسائل وطرق حكم وأنظمة اقتصادية أفضل من الممارس بالغرب شريطة الاعتماد الأكبر على أصول الإسلام وإهمال الفروع المشكوك بها والتي تناقض الأصول ويمكن تحقيق ذلك.
- الأمة الإسلامية مشروع حضاري لكل العالم لكن ليصبح كذلك لا بد من تنقية المفاهيم والوسائل وتأسيس لتطور صناعي تكنولوجي يناسب العصر.
- الانفتاح على الأمم الأخرى متطلب إجباري لتحقيق الهدف الأساس من الدعوة. وليس صحيحا أو مناسبا تقسيم العالم إلى دار الإسلام ودار الحرب رغم عدوانية كيانات عالمية متنفذة.
- الأمة العربية بمفهومها الحضاري وبمحتواها لمفاهيم الإسلام لما قبل المذهبية تمثل الأرض الطبيعية لتكون نواه الكيان الإسلامي الممتد والناجح.
- الإسلام دين قبل أن يكون دوله وهو لكل الشعوب قبل أن يكون لعرق واحد لكنه لن يصلح دون دولة تعبر عنه لأنه لا يتعلق بالعبادات الفردية فقط بل يتمركز على الحقوق المجتمعية والاقتصادية والسياسية.
- من المهم البدء بحوار حقيقي لإيجاد ارض مشتركة تلغي المذهبية التي تفصل السنة عن الشيعة. ومن المهم أيضا فتح حوار سياسي وفكري مع المذاهب والثقافات الأخرى المختلفة.
- من المهم الاعتراف أن النفوذ والدور الصهيوني لن يكون صديقا أو مهادنا أو محايدا تجاه أي توجه إسلامي من هذا النوع.